lundi 21 janvier 2008

الروح والإلحاد 2

لا أريد على الإطلاق أن أدخل في جدال "وجود الله أو عدمه" ولكن سأعرض بشكل مقتضب موقف الكاتب منه : "البراهين" التي يطرحها بعض المؤمنين على وجود الله (برهان القديس أنسلم*، برهان السبب الأوّل لليبنز**، برهان التصميم الذكي أو سبب التعقيد في الكون وفي الكائنات الحيّة، إلخ..) هي بمعظمها براهين واهية سهلة التفنيد. في المقابل، يعترف الكاتب أنّه لا توجد براهين (ولا يمكن أن توجد) على عدم وجود الله: يمكننا إذن أن نفنّد "البراهين" التي يسوقها بعض المؤمنين ولكن لا يمكننا على الإطلاق أن نبرهن عكسها. بالنتيجة، يمكننا أن نختار أن نؤمن بــعدم وجود الله (لأسباب كثيرة) تماماً مثلما يؤمن المتديّنون بوجوده، ولكن لا يمكننا أن نبرهن صحّة إيماننا. أصلاً، إن كان هناك يقين (أي براهين) بوجود الله لا حاجة أصلاً للإيمان: عند توفّر اليقين يصبح لدينا "معرفة" لا "إيمان".

لننتقل إذن إلى النقطة التالية: هذا الشخص الذي يختار ألا يؤمن بوجود الله، ماذا يخسر وماذا يربح؟
* فيما يخصّ الأخلاق، هل نخسر شيئاً إن لم نكن نؤمن بالله؟ جواب المؤلّف هو لا. ببساطة، كلّ ما يضيفه الإيمان بالله على المستوى الأخلاقي هو فكرة "الثواب والعقاب". ولكن، إذا كان المؤمن التقي لا يلتزم بالأخلاق السليمة إلا خوفاً من عقاب الله فبئس الأخلاق إذن! ماذا يختلف إذن عن أي مجرم يلتزم الحذر بحضور رجل شرطة مسلّح بجواره!

* خسارة الشعور بالانتماء: هنا تبدو الأمور أصعب قليلاً.. فالدين والإيمان بالله يمنح جماعة المؤمنين رابطاً قويّاً وشعوراً بالانتماء يصعب في الحقيقة تعويضه. مع ذلك، يمكننا دوماً أن نجد في القيم الإنسانيّة الأساسيّة (الحب، العدالة، التضامن.. يعني شي من نمط الحقّ والخير والجمال) بديلاً يوحّد بين البشر جميعاً بغض النظر عن إيمانهم.

* الأمل:
في الحقيقة يمكن أن نقول أن هذه هي "الخسارة" الكبرى لغير المؤمنين: فقدان الأمل، وتحديداً أمام الموت. الدين يقدّم للإنسان أملاً (أو وهماً) كبيراً جدّاً: كل الأشخاص الذين تحبّهم والذين فقدتهم ستتلتقي بهم في حياة أخرى، الموت ليس هو النهاية بل هو بداية لحياة أخرى فيها كل الأجوبة على أسئلتك وفيها كل الحلول لمشاكلك ولمشاكل العالم.. إلخ .. ماذا يمكن أن يقول الملحد ردّاً على هذا؟ الجواب بسيط: "لا حياة بعد الموت ولا يمكننا أن نقدّم لك آمالاً في هذا المجال. أمامك فقط حياة واحدة فقط هي هذه الحياة التي تعيشها، ولكن هذا ليس سبباً على الإطلاق لأن تضيع هذه الحياة في مجاهل العدميّة. بالعكس تماماً، هذا سبب إضافي لأن تحيا هذه الحياة (الوحيدة) بكل أبعادها. بالمختصر: لا يوجد هناك حياة بعد الموت، بل هناك حياة قبل الموت. مقابل "الأمل" الذي يقدّمه الدين للإنسان، يمكننا أن نعرض عليه فكرة "عدم-الأمل الإيجابي"***: هناك حياة واحدة لنحياها وهي مليئة بالمشاكل وبغياب العدالة، ولكن هذا ليس سبباً لنخسر هذه الحياة بل لأن نحياها . أمّا مشاكل الحياة ومظالمها، فبدل الأمل الديني بالحياة الأخرى هناك إرادتنا وقدرتنا على الفعل. أفعالنا هذه لن تنهي مشاكل العالم دفعة واحدة ولكن يمكنها على الأقل أن نحدث تغييراً. أليس التاريخ الإنساني بمجمله مجموعة من التغييرات البسيطة والتدريجيّة نحو الأفضل ؟ ،
يتبع
* Saint Anselme
* Leibniz
*** le gai désespoir

jeudi 17 janvier 2008

الرّوح والإلحاد 1

فرغت مؤخراً من قراءة كتاب بعنوان "الروح والإلحاد، مقدمّة نحو روحانيّة بدون آلهة" للفيلسوف الفرنسي "أندريه كومت سبونفيل"(النسخة من الكتاب التي قرأتها هي النسخة الفرنسيّة ولا أعرف إن كان الكتاب متوفّراً بالعربيّة أو بالإنكليزيّة). محتوى الكتاب واضح من عنوانه: المؤلف يحاول في هذا الكتاب رسم ملامح لروحانيّة ممكنة بدون فكرة "الله" والدين في مركزها، أي ببساطة روحانيّة للملحدين. هل يعني ذلك اقتراحاً لدين بديل؟ أبداً. على العكس، يؤكّد المؤلّف من البداية أنه ليس بوارد مهاجمة الأديان والمتديّنين: فكرة "الله" كانت وما تزال وستبقى راسخة في المجتمعات البشريّة، وهي فكرة متأصّلة فينا لدرجة اختلطت فيها بفكرة الروحانيّة وأصبح من الصعب التمييز بينهما، ولكن هذا لا يعني أبداً (حسب المؤلّف، وحسب حضرتي شخصيّاً) أن الأفراد الملحدين هم أشخاص محكومون بحياة روحيّة خاوية أو بالانجرار نحو مهاوي العبثيّة لمجرّد أنّهم توقّفوا عن الإيمان بوجود قوّة غيبيّة خالقة، كليّة القدرة وأبديّة، أي عن الإيمان بوجود الله.
الكتاب، بعكس ما قد يوحي به عنوانه للبعض، لا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بالسخافات من نمط "العصر الجديد"* وما إلى ذلك من معتقدات لا تختلف عن الأديان التقليدية إلا بأسماء الآلهة البديلة التي تقترحها (الطاقة الكونيّة، الحقيقة المطلقة، إلخ). الأفكار التي يطرحها الكتاب بعيدة أيضاً عن اليقينيّة والتطرف اللذين كانا سمة إلحاد بداية عصر الأنوار أو الإلحاد وفق النموذج السوفييتي ؛ لذا وجب التنويه..
سأحاول أن أعرض لاحقاً الأفكار الأساسيّة الواردة في الكتاب، وهي بالمناسبة ليست كثيرة (الكتاب، حسب عنوانه، هو نوع من المقدّمة)ـ
* New Age

قريباً

يعني
coming soon...